أبي منصور الماتريدي
484
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أنه لم يختلف « 1 » ، إلى من عنده علم هذه الأنباء ؛ ليعلم بها ، فإذا أنبأهم [ بها ] على وجهها « 2 » ، تيقنوا أنه بالله تعالى علم . وفيه تصبير لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وتخفيف الأمر عليه ؛ لأنه يخبره أن قومك ليسوا بأول من آذوك وعاندوك ، بل لم يزل سلفهم تلك عادتهم بأهل الإسلام . وفائدة أخرى : ما ذكرنا أن في ذكره بعض ما يستعين به من ابتلي « 3 » بأذى الكفرة . وفيه أن أولئك الكفرة بلغ من ضنهم بدينهم ما يقاتلون عليه من أظهر مخالفتهم في الدين ؛ ليعلموا أن القتال لمكان الدين ليس بأمر شاق خارج من الطباع ؛ بل الطباع جبلت على القتال مع من عاداهم في الدين ؛ فيكون فيه ترغيب للمسلمين على القتال مع الكفرة إذا امتحنوا به ، والله أعلم . وقوله : النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ منهم من جعل الوقود من ألقي فيها من المؤمنين . ومنهم من جعل الوقود صفة تلك النار التي عذبوا بها . وقوله - عزّ وجل - : إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ ، أي : عظماؤهم وكبراؤهم جلوس عند الأخدود ؛ ففيه أن أتباعهم هم الذين كانوا يتولون إلقاء المؤمنين في النار ، وكبراؤهم جلوس هنالك . وقوله - عزّ وجل - : وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ، يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون الشهود هم العظماء والفراعنة . أو يكون منصرفا إلى الأتباع ، وهو أن الأتباع كانوا يلقون المؤمنين في النار ، ويشهدون أنهم على الضلال ، وأنهم ورؤساؤهم على الهدى والحق ، وهو كما قال في موضع آخر : وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [ النساء : 51 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ : ذكر الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ليعلم أنه لا يلحقه ذل بما يحل من الذل بأوليائه وأهل طاعته ، ولا في حمده قصور بقهر أوليائه ، خلافا لما عليه ملوك الدنيا ، وذلك أن ملوك الدنيا إذا حل بأولياء واحد منهم ذل ، كان الذل حالا فيه أيضا ، وإذا قهر بعض أتباعه فترك نصرهم وهو قادر على نصرهم واستنقاذهم لم يحمد ذلك منه ، ولحقته المذمة ؛ وذلك لأن الملك إنما استفاد العز بأتباعه وأنصاره ، فإذا استذل أتباعه ، زال ما به نال العز ؛ فلحقه الذل ، ونال
--> ( 1 ) في ب : يخلف . ( 2 ) في ب : وجهه . ( 3 ) زاد في ب : بأذى .